أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي
261
العقد الفريد
وتفرّقوا بعد الجميع لأنّه * لا بدّ ان يتفرّق الجيران لا تصبر الإبل الجياد تفرّقت * بعد الجميع ، ويصبر الإنسان ! وقال آخر : فهل ريبة في أن تحنّ نجيبة * إلى إلفها أو أن يحنّ نجيب « 1 » وإذا رجعت الإبل الحنين كان ذلك أحسن صوت يهتاج له المفارقون كما يهتاجون لنوح الحمام . وقال عوف بن محلّم : ألا يا حمام الأيك إلفك حاضر * وغصنك ميّاد ففيم تنوح ؟ « 2 » وكل مطوّقة عند العرب حمامة ، كالدّبسي والقمري والورشان وما أشبه ذلك ؛ وجمعها حمام ، ويقال : حمامة ، للذكر والأنثى ، كما يقال : بطة ، للذكر والأنثى ؛ ولا يقال حمام إلّا في الجمع ، والحمامة تبكي وتغني وتنوح وتغرد وتسجع وتقرقر وتترنم ؛ وإنما لها أصوات سجيع لا تفهم فيجعله الحزين بكاء ، ويجعله المسرور غناء . قال حميد بن ثور : وما هاج هذا الشوق الا حمامة * دعت ساق حرّ ترحة وترنما مطوّقة خطباء تسجع كلّما * دنا الصّيف وانزاح الربيع فأنجما « 3 » تغنّت على غصن عشاء فلم تدع * لنائحة في نوحها متلوّما فلم أر مثلي شاقه صوت مثلها * ولا عربيا شاقه صوت أعجما وقال مجنون بني عامر : ألا يا حمامات اللّوى عدن غدوة * فإني إلى اصواتكنّ حزين فعدن ، فلما عدن كدن يمتني * وكدت بأشجاني لهنّ أبين
--> ( 1 ) النجيب من الإبل : خيرها . ( 2 ) الأيك : جمع الأيكة : وهي الشجر الكثير الملتف . ( 3 ) الخطباء : التي يخالط خضرتها سواد . وأنجم المطر ، أقلع .